أحمد بن محمد ابن عربشاه

69

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فافتكر ابن آوى أنه إذا ترك الحمار وحده فوته قصده وخيب الله كدّه ، وأبطل حيله وجهده فرأى لنفسه المنفعة أن يرجع معه ، فربما ينجع « 1 » سعيه ويسلب من الحمار وعيه . فقال : يا أخي شوقتنى بهذه القضية إلى الاطلاع على تلك الوصية لاستفيد منها ، وآخذ حظى من الفضل عنها فلا بد من مصاحبتك والذهاب معك ومرافقتك ، فقال الحمار : لا دافع ولا مشاقق ولا مانع أن تكون لي مرافقك . فقال ابن آوى : فهل في حفظك منها شيء ، فإن كان فألقه إلىّ لنتذاكر في الطريق ، ولا يؤثر فينا التعب والضيق . فقال : نصيحة واحدة هي بصدقى شاهدة ، وهي كلمة مجملة فوائدها فيها مجملة ، وهي إن أبى قال لي : إياك أن تفارق هذه الوصية ، فإن فارقتها وقعت في بلية ، وسأخبرك بسائرها في المسير إذا تذكرت أيها البصير . ثم سار قليلا وأفكر طويلا وقال : وهذه أخرى سنحها ذكرى وارتضاها فكرى وهي إذا : وقعت في شدة ، ورمت للخلاص منها عدة ، فتصور أصعب منها ؛ يحصل لك التقصي عنها ، وتهن عليك وتعدها نعمة أسديت إليك ، فتشتغل بشكرها وتستأنس بذكرها . فقال ابن آوى : أحسنت يا حمار وهذا مقام الأخيار والصالحين والأبرار . ثم سار سيرة رائثة « 2 » وقال : والله هذه نصيحة ثالثة . فقال : قل واسلم وطل . فقال : لا تحسب أن الصديق الجاهل خير من العدو العاقل ، فإن علم العدو العاقل خير لك من جهل الصديق الجاهل .

--> ( 1 ) أفلح . ( 2 ) متمهلة .